السيد حيدر الآملي

383

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

إشارة إلى نفخه الروح الجزئي في الإنسان الصغير لأنّه كالأب بالنسبة إلى ذريّته الصوريّة والمعنويّة ، لقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطَّين » ( 183 ) . ولقول عارف أمّته فيه : وإنّي وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي ( 184 ) في ذكر عبارة الشيخ الأكبر في بيان التعيّن الأوّل هذا ما عندي ، فأمّا الشيخ الأعظم محيي الدّين ابن عربي قدّس اللَّه سرّه قد أشار إلى هذا المعنى في « التدبيرات الإلهيّة » ( 185 ) وإلى اختلاف العلماء بحسب العبارة ، وإلى الَّذي سنخ له بحسب كلّ اسم واصطلاح ، وهو حسن بذكره ، ثمّ نرجع إلى القسم الثاني ، وهو قوله : اعلم ، نوّر اللَّه بصيرتك أنّ أوّل موجود اخترعه اللَّه تعالى ، جوهر بسيط روحاني فرد غير متحيّز في مذهب قوم ، ومتحيّز في مذهب آخرين إرادة واختيارا ، ولو شاء سبحانه لاخترع موجودات متعدّدة دفعة واحدة خلافا لما يدّعيه بعض الفلاسفة ( الناس ) من أنّه : لا يصدر عن الواحد إلَّا الواحد ( 186 ) ، ولو كان هذا ، لكانت الإرادة

--> ( 183 ) قوله : كنت نبيّا وآدم . راجع تعليقتنا الرقم 45 ، في الجزء الأوّل ص 267 . ( 184 ) قوله : وإنّي وإن كنت ، ( شعر ) . ذكره السيّد المؤلف في نصّ النصوص أيضا ص 498 . ( 185 ) قوله : في ( التدبيرات الإلهيّة ) . راجع ( التدبيرات الإلهيّة في إصلاح المملكة الإنسانيّة ) ص 121 إلى 128 ، نقله المؤلف مع حذف بعض الكلمات وتغييرها وأشرنا إلى بعضها أحيانا . ( 186 ) قوله : خلافا لما يدّعيه بعض الفلاسفة من أنّه لا يصدر عن الواحد إلَّا الواحد . عنون هذه القاعدة - أي الواحد لا يصدر عنه إلَّا الواحد . الفلاسفة وبعض المتكلمين في كتبهم وهي قاعدة مشهورة وكأنّ مفهومها مسلَّم عند الحكماء ولا ريب عندهم فيها ، ولا شكّ أنّ تصوّر الصحيح من الوحدة والبساطة وما قصد بها الحكماء ، يوجب تصديقها والأشكال أو الشبهات الَّتي توجد في بعض الكلمات أحيانا نشأت من عدم تصورها وعدم تصور المراد منها صحيحا . ولا بأس بذكر بعض ما قال بعض العرفاء أو الحكماء والمتكلمين حول هذه القاعدة هنا وذكر بعض البراهين الَّتي أقاموها على إثباتها بعد ما ذكروا أنّها أمر بديهيّ ، والبراهين حولها من قبيل التنبيه ، وأمّا البحث فيها تفصيلا يحتاج إلى كتابة رسالة مستقلة ومقام آخر ، هذا وإليك بعض تلك العبارات . ابن عربي في الفتوحات ج 4 ، ص 155 ط ج : وصل ، كلّ خط يخرج من النقطة إلى المحيط ، مساو لصاحبه وينتهي إلى نقطة من المحيط ، والنقطة في ذاتها ما تعدّدت ولا تزيدت مع كثرة الخطوط الخارجة منها إلى المحيط ، وهي تقابل كل نقطة من المحيط بذاتها ، إذ لو كان ما تقابل به نقطة من المحيط غير ما تقابل به نقطة أخرى لانقسمت ولم يصح أن تكون واحدة ، وهي واحدة ، فما قابلت النقط كلَّها على كثرتها إلَّا بذاتها ، فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين ، ولم يتكثر هو في ذاته ، فبطل من قال : « إنّه لا يصدر عن الواحد إلَّا واحد » . وقال أيضا في ج 10 ، ص 391 ط ج : فلا أدري في العالم أجهل ممّن قال : « لا يصدر عن الواحد إلَّا واحد » مع قول صاحب هذا القول : بالعليّة ، ومعقوليّة كون الشيء علَّة لشيء ( هي ) خلاف معقوليّة شيئيته ، والنسب من جملة وجوه الجمع ، فما أبعد صاحب هذا القول من الحقائق ، ومن معرفة من له الأسماء الحسنى ، ألا ترى أهل الشرائع - وهم أهل الحقّ - يقولون : بنسبة الألوهة لهذا الموجد للممكن المألوه ، ومعقول الألوهة ما هو معقول الذات ، فالأحديّة معقولة ، لا تتمكّن العبارة عنها إلَّا بمجموع ، مع كون العقل يعقلها وهي أحديّة المجموع وآحاده . ألا ترى أنّ التجلَّي الإلهي لا يصحّ في الأحديّة أصلا ، وما ثمّ غير الأحديّة ، وما يتعقل أثر عن واحد لا جمعيّة له ، فيا ليت شعري كيف جهلت العقول ما هو أظهر من الشمس فيقول قائلهم : « ما مصدر عن الواحد إلَّا واحد » ويقول : « إنّ الحقّ واحد من جميع الوجوه » ، وهو يعلم أنّ النسب من بعض الوجوه وأنّ الصفات في مذهب الآخر من بعض الوجوه ، فأين الواحد من جميع الوجوه ؟ فلا أعلم من اللَّه باللَّه ، حيث لم يفرض الوحدة إلَّا أحديّة المجموع وهي أحديّة الألوهة له تعالى فقال : * ( هُوَ اللَّه ُ الَّذِي لا إِله َ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّه ُ الَّذِي لا إِله َ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّه ِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّه ُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى ) * [ سورة الحشر : 22 - 24 ] . وهي تسعة وتسعون اسما ، مائة إلَّا واحدا ، وكلّ اسم واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر ، وإن كان المسمّى بالكلّ واحدا ، فما عرف اللَّه إلَّا اللَّه . وقال ابن عربي في الفتوحات أيضا ج 13 ، ص 66 ، ط ج وج 2 ، ص 115 ط ق حين ما شرح معنى ( القبضة ) في قوله تعالى : * ( وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه ُ ) * [ سورة الزمر : 67 ] : فالقبضة على الحقيقة ( هي ) قوله تعالى : * ( وَكانَ اللَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ) * [ سورة النساء : 126 ] . * ( أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) * [ سورة فصّلت : 54 ] . ومن أحاط بك فقد قبض عليك ، لأنّه ليس لك منفذ مع وجود الإحاطة ، وإلَّا فليست إحاطة ، وما هو محيط ، وصورة ذلك أنّه ما من موجود سوى اللَّه من الممكنات إلَّا وهو مرتبط بنسبة إلهيّة وحقيقة ربّانيّة تسمّى أسماءا حسنى ، فكلّ ممكن في قبضة حقيقة إلهيّة ، فالكلّ في القبضة . إلى أن قال : ومن هنا وجد في العالم الأمور المبهمة ، لأنّه ما من شيء في العالم إلَّا وأصله من حقيقة إلهيّة ، ولهذا وصف الحقّ نفسه بما يقوم الدليل العقلي على تنزيهه عن ذلك . . . إلى أن قال : فالعامّة في مقام التشبيه وهؤلاء أعني أصحاب الكشف في مقام التشبيه والتنزيه ، والعقلاء في مقام التنزيه خاصّة ، فجمع اللَّه لأهل خاصّته بين الطرفين . فمن لم يعرف القبضة هكذا فما « قدر اللَّه حق قدره » - ، فإنّه إن لم يقل العبد : ان اللَّه « ليس كمثله شيء » - فما « قدر اللَّه حق قدره » وإن لم يقل : « إنّ اللَّه خلق آدم بيده » فما « قدر اللَّه حق قدره » . وأين الانقسام من عدم الانقسام ، وأين المركّب من البسيط ؟ فالكون يغاير مركّبه بسيطه ، وعدده توحيد هو أحديّته ، والحقّ : عين تركيبه عين بسيطه ، عين أحديّته عين كثرته ، من غير مغايرة ولا اختلاف نسب ، وإن اختلف الآثار فعن عين واحدة ، وهذا لا يصح إلَّا في الحقّ تعالى ، ولكن إذا نسبنا نحن بالعبارة فلا بدّ أن نغاير : كان كذا من نسبة كذا ، وكذا من نسبة كذا ، لا بدّ من ذلك للإفهام . وهنا كلام للسيّد الجليل المؤلف قاله في جامع الأسرار وهو هذا : وأمّا التوحيد الفعلي . . . اعلم أنّ اللَّه تعالى عبارة عن صدور الموجودات عنه ، إجمالا وتفصيلا ، غيبا وشهادة ، من الأزل إلى الأبد ، صدورا غير منقطع ، لقوله تعالى : * ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) * [ سورة الرحمن : 29 ] . ولقوله تعالى : * ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * [ سورة ق : 15 ] . وبيان ذلك على حسب الترتيب هو أنّ اللَّه تعالى لما أراد التّنزّل من حضرة الذات إلى حضرة الأسماء والصفات ، ومنها إلى حضرة الأكوان المعبّر عنها بالعالم ، والظهور بصورها ( الثابتة ) في قوله : « كنت كنزا مخفيا ، فأجببت أن أعرف ، فخلقت الخلق » . ظهر أوّلا بصورة حقيقة كلَّية وتعيّن بها وتقيّد بصورتها وهي حقيقة « الإنسان الكبير » المسمّى بآدم ، لقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « خلق اللَّه تعالى آدم على صورته » . أعني « آدم الحقيقي » لا آدم الصّوريّ ، وهذه الحقيقة لها أسماء كثيرة بحسب اعتباراتها ، منها النور ، لقوله ( ص ) : « أوّل ما خلق اللَّه نوري » . ومنها العقل لقوله : « أوّل ما خلق اللَّه العقل » . ومنها القلم ، لقوله : « أوّل ما خلق اللَّه القلم » . ومنها الروح الأعظم ، لقوله : « أوّل ما خلق اللَّه الروح » . وغير ذلك من الأسماء . ثمّ بعد ذلك ظهر تعالى بصورة حقيقة أخرى ، وهي هذا الإنسان المسماة ب « حواء الحقيقيّة » المخلوقة من ضلعه الأيسر لا الأيمن ، لأنّ ضلعه الأيمن ( مصروف ) إلى اللَّه تعالى لا غير ، أعني ( مصروفا ) إلى الحقّ لا إلى الخلق ، لقوله تعالى : * ( وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ) * [ سورة الأعراف : 189 ] . ولها أيضا أسماء كثيرة منها النفس الكلَّيّة ، واللوح المحفوظ والكتاب المبين ، وغير ذلك من الأسماء بحسب اعتباراتها أيضا . ثمّ ظهر بواسطة هاتين الحقيقتين بصورة كلّ موجود في الوجود ، علما كان أو عينا ، بسيطا كان أو مركّبا ، لطيفا كان أو كثيفا من العقول والنفوس والأفلاك والأجرام والعناصر والمواليد ، لقوله تعالى : * ( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً ) * [ سورة النساء : 1 ] . وكذلك إلى ما لا يتناهي ، أي وكذلك يظهر بصورة كلّ موجود بحسب الجزئيّات والكلَّيّات أيضا ، إلى ما لا يتناهي . فليس في هذا العالم ، أو في هذا الوجود ، فاعل بالحقيقة إلَّا هو ، ولا فعل إلَّا له : * ( أَلا لَه ُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه ُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) * [ سورة الأعراف : 54 ] . هذا على مذهب أهل التحقيق من أرباب التوحيد وأهل الباطن ، وهاهنا دقيقة بل دقائق ، بسبب اسناد الأفعال كلَّها إلى اللَّه تعالى ، لأنّه ( أي هذا الرأي ) قريب إلى مذهب الأشعريّ ، ولكن ( عند التحقيق ) ليس كذلك . وأمّا على مذهب أهل الشريعة من أرباب الظاهر ، فإنّه تعالى خلق أوّلا جوهرة ، ثمّ نظر إليها ، فذابت وصارت نصفين ، فخلق من نصفها « عالم الأمر » ومن نصفها « عالم الخلق » ، لقوله تعالى : * ( أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) * [ سورة الأنبياء : 30 ] . وخلق بعد تلك الجوهرة جواهر أخر ، ثمّ الأجساد ، ثمّ الأعراض ، ثمّ الأفلاك ، ثمّ الأجرام ، ثمّ ابتداء الموجودات وإيجادها من العناصر ، وليس بين العبارتين فرق عند التحقيق . وأمّا على مذهب الحكيم فإنّه يقول : أوّل شيء صدر من اللَّه تعالى هو العقل الأوّل ، ثمّ النفس الكلَّيّة ، ثمّ الأفلاك ، ثمّ الأجرام إلى آخرها ، وكلّ ذلك عنده معلول له ، وهو علَّتها ، أمّا بواسطة أو بغير واسطة ، وكذلك كان في الأزل و ( كذلك ) يكون إلى الأبد ، لأنّ انفكاك العلَّة عن المعلول عنده محال ، والمراد بذلك أنّ صدور الموجودات منه تعالى لا ينقطع أزلا وأبدا . وليس هاهنا أيضا إلَّا اختلاف العبارة ، وإلَّا عند النظر الصحيح حاصله حاصل كلام المحققين ، لأنّ « ظهر » و « خلق » و « صدر » ألفاظ متغايرة بمعنى واحد . وبالجملة كلَّهم قائلون بأنّ هذه الأفعال أفعال اللَّه تعالى بلا خلاف ولكن غاية ما في الباب أنّ بعضهم قائلون بالواسطة ، وبعضهم بعدمها ، وعلى جميع التقادير ليس الفاعل فيها حقيقة إلَّا هو . جامع الأسرار ص 144 ، وقال أيضا في نفس الكتاب ص 481 ، نقلا عن المحقق الطوسي في الأشكال على قاعدة الواحد : قوله قدّس سرّه : « قالت الفلاسفة : الواحد لا يصدر عنه إلَّا واحد ، وكلّ شبهة لهم على هذه الدعوى ( هي ) في غاية الركاكة ، ولذلك قالوا : لا يصدر عن البارئ تعالى بلا واسطة إلَّا عقل واحد ، والعقل فيه كثرة ، هي الوجوب والإمكان ويعقّل الواجب ويعقّل ذاته ، ولذلك صدر عنه عقل آخر ونفس وفلك مركّب من الهيولى والصورة . ويلزمهم أنّ أيّ موجودين فرضنا ( وجودهما ) في العالم كان أحدهما ( ضرورة ) علَّة للآخر ، بواسطة أو بغيرها ، وأيضا : التكثّرات الَّتي في العقل ، إن كانت موجودة صادرة عن البارئ لزم صدورها عن الواحد ، وإن صدرت عن غيره ، لزم تعدّد الواجب ، وإن لم تكن موجودة لم يكن تأثيرها في الموجودات معقولا . كلمات بعض الحكماء في المقام : قال الحكيم ميرداماد في القبسات ص 351 : من أمّهات الأصول العقليّة ، أنّ الواحد بما هو واحد لا يصدر عنه من تلك الحيثيّة الواحدة إلَّا واحدا ، إذ ليس في طباع الكثرة بما هي كثرة أن تصدر عن علَّة واحدة من حيثيّة واحدة ، فلعلّ هذا الأصل بما تلوناه عليك في الضابط من فطريّات العقل الصريح ، إذا كان القلب سليما والقريحة غير مؤفة راجع القبسات في بحثه حول هذه القاعدة ص 351 إلى ص 372 . قال قطب الدّين الشيرازي في شرح حكمة الإشراق ص 314 : ( فصل في انّ الواحد الحقيقي وهو الواحد من جميع الوجوه لا يصدر عنه من حيث هو كذلك أكثر من معلول واحد ) : وإن جاز صدور أكثر من ذلك باعتبارات وشرائط مختلفة مثل تعدد الآيات والقوابل وما يجري مجراهما ، وهذا الحكم قريب من الوضوح يكفي فيه مجرّد التنبيه ، وإنّما يتوقف فيه من يغفل عن معنى الواحد الحقيقي وإليه أشار ( المصنّف الشيخ الإشراق ) : لا يجوز أن يحصل من نور الأنوار غير نور من الظلمات . راجع حكمة الإشراق ص 125 إلى ص 148 ، المقالة الثانية . وص 314 إلى ص 356 من شرح حكمة الإشراق . قال صدر المتألَّهين في تعليقته على شرح حكمة الإشراق ص 314 : انّ الوجود البسيط الَّذي لا تركيب فيه أصلا لا يكون علَّة لشيئين بينهما معيّة في الوجود ، لأنّ معنى كون البسيط علَّة لشيء أنّ حقيقة البسيط عن علَّة ذلك الشيء بحيث لا يمكن تحليلها إلى ذات وعلَّة ، ولا إلى حيثيّتين بإحديهما يتجوهر ذاته وبالأخرى يحصل شيئا آخر ، كما أنّ لنا تسيئين بأحدهما نتجوهر وهو النطق وبالآخر نكتب وهو القدرة على الكتابة ، فإذا كان المبدأ كذلك وصدر عنه شيئان ك أو ب يلزم منه الحال إذ لا شكّ أنّ مفهوم كون الشيء بحيث يجب عنه أغير مفهوم كونه بحيث يجب عنه ب ، وأنّ معنى مصدر أغير معنى مصدر ب ، لأنّ خصوصيّة كلّ معلول إنّما نشأت من خصوصيّة علَّته المفيضة فإذا كان معلول خصوصيتين مختلفتين فلا بدّ أن يكون لعلَّته أيضا خصوصيّتان مختلفتان ، فيقوّم ذاته من معنيين مختلفين فلا يكون بسيطا هذا خلف ، وهذه المقدمة قريب من الأوليّات عند من عرف الواحد الحقيقي . فإنّ الموجود الأوّل واجب الوجود من جميع جهاته بلا كثرة ، وأنّه أحديّ الذات ، أحديّة الصفة وان لا صفة له بالحقيقة إلَّا وجوب الوجود ومعاني سائر الصفات يرجع إليه وهو يرجع إلى ذاته فيكون أحديّ الفعل ، لا فعل له إلَّا إفاضة نور الوجود على الأشياء على ترتيب الأشرف فالأشرف ، فالكثرة إنّما جاءت بعد ذاته وبعد فيضه الأقدس بواسطة جهة نقصان الوجود وضعف النوريّة ولزوم الإمكانات وشوب الظلمات . قال السبزواري في أسرار الحكم ص 174 : ما أنكر هذه القاعدة إلَّا من يريد سدّ باب العقل . قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات ج 3 ، ص 122 : انّ الواحد الحقيقيّ لا يوجب من حيث هو واحد إلَّا شيئا واحدا بالعدد و ( كأن ) هذا الحكم قريب من الوضوح ولذلك وسم ( الشيخ الرئيس ) الفصل بالتنبيه ، وإنّما كثرت مدافعة الناس إيّاه لإغفالهم عن معنى الوحدة الحقيقيّة . راجع الإشارات ج 3 ، ص 123 وص 210 وص 243 . قال ابن فناري في مصباح الأنس بعد البحث في بيان وجوه القلب نقلا عن تفسير الفاتحة للقونوي ص 29 : وتأنيسه ، قولهم : الواحد من كلّ وجه لا يصدر عنه إلَّا الواحد ، إذ لو صدر عنه اثنان لكان له علَّتان ، فهو مع كلّ علَّتيه غيره مع الأخرى فهو اثنان ولو من جهتين . لا يقال : فلا يصدر عنه واحد أيضا وإلَّا لكان له علَّيّة فهو معها غيره بدونها . لأنّا نقول ليس المراد بالعليّة النسبة الَّتي بين العلَّة والمعلول ، فإنّ النّسبة غير المنتسبين قطعا ، بل المراد كونه بحيث يصدر عنه وأنّ من شأنه الصدور عنه وهذا عينه ، ولذا لا يوجب اعتبار الغير ولا التعدّد من حيث هو هو بخلاف العلَّتين ، فإنّ تعدّهما قطعا باعتبار الغيرين . فإن قلت : عدم إيجابه اعتبار الغير مسلَّم أمّا عدم لزوم التعدّد فلا كما قلنا انّه بدون ذلك الشأن غيره معه . قلت : المراد بالواحد من كلّ وجه مّا لا يعتبر معه غيره لا ما لا يعتبر صفته الذاتيّة أيضا كالواحدة والوجوب الذاتيّين وغيرهما . . . إلى أن قال : ثمّ اعلم أنّ الأصل مسلَّم عندنا لكن في تعريفهم ( تفريعهم ) : انّ الواحد الصادر الأوّل عن الحق تعالى هو العقل الأوّل نعم ذكره الشيخ في الرسالة المفصحة وهو لم لا يجوز أن يكون ذلك الواحد الصادر الأوّل عن ذات الحق هو الوجود العام كما هو عند المحققين وهو الفيض الذّاتي المعبّر عنه بالتجلَّي الساري في حقايق الممكنات والإمداد الإلهي المقتضي قوام العالم وهو الوجود المنبسط والرقّ المنشور إلخ فراجع ص 29 و 30 . أقول : وأنت خبير أيّها القارئ العزيز إنّ الكلام نفس الكلام ولا خلاف بينهما ، والعقل الأوّل في لسان الحكمة المتعالية شأن من شؤون الصادر الأوّل وهو النور المحمّدي ( ص ) وله أسماء مختلفة كما ذكر بعضها ابن فتاري وهذا هو الَّذي قال تبارك وتعالى : * ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ ) * [ سورة القمر : 50 ] . وإن شئت الاطلاع على أكثر من هذا حول هذه القاعدة المسلَّمة الَّتي لا ريب فيها فراجع الأسفار الأربعة لصدر المتألهين ج 2 ، ص 194 الفصل 11 وص 204 ، الفصل 13 ، وأيضا المجلد السابع الموقف التاسع ص 193 ، إلى ص 244 ، وأيضا المجلد الثامن ص 60 . وراجع أيضا كتاب ( أصل الأصول ) ( ملَّا نعيما طالقاني ) ص 80 إلى ص 103 وأيضا انظر رسالة ( اثبات واجب ) ( ملَّا رجبعلي تبريزي ) - في كتاب ( منتخباتي أز آثار حكماء إلهي ) ج ص 220 ، ولمعات إلهيّة للزنوزي ص 165 وشرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ، ص 91 إلى 98 . وكتاب أثولوجيا لافلاطون ص 73 ، وأساس التوحيد للآشتياني ص 15 ، والتحصيل لبهمنيار ص 531 - وشوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام للفيّاض ج 1 ، ص 205 المسألة الثانية من الفصل الثالث . ونهاية الحكمة للسيّد الطباطبائي الفصل الرابع من المرحلة الثامنة ص 165 . وتلخيص المحصل ( نقد المحصل ) ص 237 . هذا وبناء على نظريّة المدرسة الحكمة المتعالية من أنّ الموجودات كلَّها وجود ربطيّ ، والإضافة إشراقية ، وأنّها جميعا على نحو المعاني الحرفيّة غير المستقلَّة ، فالموجد لها جميعا هو اللَّه سبحانه وتعالى ، لا تكون هذه الأمور والأسباب المتوسّطة إلَّا عللا معدّة وليست هي عللا موجدة بذاتها .